21 فبراير 2024

أجور الصحفيين في شمال غرب سوريا… سمسرة وخرق للسلامة

طول سنوات النزاع (12عاماً) في سوريا، ووجود الصحفيين ضمن بقعة جغرافية مازالت تتعرض للقصف والعنف لم تكن شفيعاً للعديد من الصحفيين أمام المؤسسات الإعلامية التي يعملون معها للتعامل معهم بطريقة تحفظ حقوقهم المالية كاملة، وفق استثناءات خاصة تتناسب مع بيئة النزاع، التي فرضت عليهم عدم امتلاكهم لحسابات بنكية تسهّل استلام مستحقاتهم المالية دون معوقات. 

جهد مقتطع 

لم يكن الإعلامي (م. هـ ) يتوقع أن إجراءات البنوك ستحول دون استلامه مبلغاً مالياً متعلقاً بمنحة حصل عليها إثر إصابته أثناء تغطيته للتطورات الميدانية في ريف حماة، نتج عنها بتر قدمه اليسرى منذ عام 2017.

فرحة (م. هـ ) المهجر إلى مخيمات مدينة سرمدا شمالي سوريا بحصوله على المنحة المالية، تبددت مع طلب الجهة المانحة حساباً بنكياً لتحويل المبلغ المالي، وهذا ما لا يملكه (م. هـ) وغير متوفر أصلاً في شمالي غربي سوريا، ما اضطره لطلب حساب من وسيط خارج سوريا، والذي طلب نسبة 16% لإتمام عملية الاستلام، وعلى الرغم من موافقة (م. هـ) لم يتمكن من استلام المبلغ لليوم بسبب توقف الحساب البنكي الوسيط عن العمل مما نتج عنه توقف أموال (م. هـ)  أيضاً. 

حال (م. هـ) كحال عشرات الإعلاميين والصحفيين السوريين في المنطقة بسبب عدم امتلاكهم لحسابات مالية أو مصرفية تخولهم استلام أجورهم بشكل مباشر من المؤسسات والوكالات التي يعملون معها، ما يجبرهم على الاستعانة بحسابات وسطاء ماليين بعد الاتفاق على نسبة خصم مئوية تذهب من أجور الصحفيين لصالح الوسطاء.

الإعلامي (ر. ح) يؤكد أنه بقي 3 أشهر حتى تمكن من حصوله على أجوره المالية بعد اشتراط الجهة التي يعمل معها امتلاكه لحساب بنكي حتى تتم إجراءات التحويل بشكل قانوني، وبالرغم من سعيه الحثيث لم يتمكن من إقناع جهة العمل بإجراء التحويل بطريقة أخرى حتى اضطر أن يستعين بوسيط بعد خصم 10% من الأجور لصالح الوسيط. 

أيضاً إبراهيم الشمالي “صحفي سوري” مرّ بالظرف ذاته، وهو لا يبرر تعنت الجهات التي يعمل معها بطلب التحويل لحساب بنكي، فظروف الصحفيين في المنطقة لا تخفى عليهم، يقول : ” حُرمت من امتلاك حساب بنكي بسبب ما يدور في سوريا وهذا منع وصول أجور عملي كاملة بعد استعانتي بحساب وسيط خارج سوريا، طلب نسبة 11% رفضت جهة العمل تحملها متذرعة بالشكل القانوني للعمل وأنها غير مسؤولة عن الأجور بعد خروجها من حساباتها”

ونتيجة تحمله أعباء استلام الحوالة المالية ومشقاتها قرر أن يقبض أجوره كل 4 أشهر مرة حتى يتسنى له دفع نسبة الوسيط وهو مرتاح ماليا إذ إن مرتب الشهر الواحد لا يبقى منه الكثير بعد حسم نسبة الوسيط المالي. 

يتطلع الشمالي لحل مشكلة الحسابات البنكية التي شكلت عائقاً حقيقياً لعمله مع كثير من الجهات الصحفية الدولية والإقليمية إذ تبقى بعض أجور أعماله معلقة عدة أشهر حتى يستطيع إيجاد مخرج وبتكاليف باهظة يكون الرابح الوحيد منها الوسيط المالي 

تعقيدات قانونية

بحسب استبيان أجراه معد التقرير على 20 صحفي في شمال غرب سوريا فإن 9% منهم يستخدمون حسابات بنكية وسيطة، و 9% يستخدمون وسيط الويسترونيون (Western Union)، و يحصل الباقون على أجورهم بطريقة التحويل المباشر، أما عن الحسومات ف 85% من المشاركين بالاستطلاع يتم حسم بين 5-10% من أجورهم  لصالح الوسيط المالي بينما 15% تصل نسبة الحسم أكثر من 10%، و50%  من المشاركين في الاستبيان لا تتحمل جهات عملهم أجور التحويل سواء كان تحويلا بنكياً أو مباشراً أو غير ذلك، في حين تتحمل جهات العمل أجور التحويل للنصف الآخر. 

أحد المشاركين في الاستبيان فضل عدم كشف اسمه قال إنه اعتذر عن العمل مع موقع صحفي دولي بسبب عدم امتلاكه لحساب بنكي يخوله استلام أجور عمله، في حين رفضت إدارة الموقع اللجوء لحساب وسيط، ونوه إلى أنه حتى التحويل المباشر (عن طريق مكاتب تعتمد على الاتصال المباشر بين أشخاص أحدهم داخل سوريا وآخر خارجها) غير  آمن فالمسؤولين عن التحويل المباشر يأخذون كافة بيانات الصحفي ومعلوماته الشخصية، وهذا يشكل خطراً على خصوصيته وسلامته، سيما أن جهات أمنية تتبع أجور الصحفيين من أجل معرفة أرصدتهم المالية، كذلك الأشخاص العاملين بالتحويل المباشر غير موثوقين وربما يتكلمون أمام عصابات أن الصحفي (س) وصلته حوالة بمبلغ كذا مما يضعه تحت دائرة الخطر.

وبحسب رأي الصحفيين المشاركين في الاستطلاع فإنه يجب على الجهات الصحفية إيجاد حلول لإيصال أجور جميع الصحفيين في منطقة النزاع بشكلٍ آمن، خاصةً أنها منطقة تفتقر لجميع مقومات الحياة والأسس القانونية المالية المتبعة في العالم وهذا تتحمله الكيانات والأجسام العالمية المعنية بالصحفيين وحمايتهم. 

حلول وبيئة غير آمنة

خبير التداول الإلكتروني “صالح الشيخ” قال: “إن السبب في اقتطاع أجور مرتفعة أحياناً للحوالات المالية عبر الحسابات البنكية الوسيطة يعود لزيادة طول سلسلة التوريد بسبب غياب البنوك شمالي غرب سوريا، ما يُجبر الشخص في المنطقة أن يتعامل مع شركات مصرفية محلية (محلات صرافة)، يملك موظفوها حسابات بنكية خاصة لاستقبال الأموال، مقابل عمولة تحويل، بالإضافة لعمولة البنك.

وتكبر هذه العمولة مع طول سلسلة التوريد من بنك إلى آخر ومن ثم استلامه من قبل شركات الصرافة المحلية وتحويلها، للمستقبل النهائي (الشخص المستقبل بالداخل السوري).

أما بالنسبة للحلول التي يمكن إيجادها للسوريين لاستقبال أموالهم بطريقة آمنة وقانونية، فمن الممكن أن تصبح فروع البنوك عاملة على الأقل في الأراضي التركية مثل بنك “الزراعات” و بنك “كويت ترك” وغيرها من البنوك المصرفية، وتفتتح مكاتب لها في الداخل السوري وهنا يمكن للمواطنين تسهيل استقبال أموالهم بشكل أسرع وقانوني وآمن أكثر، فالحوالات المحلية بالرغم من عمولتها المرتفعة أيضاً تستغرق مدة من الزمن حتى تصل إلى يد المستقبل.

الصحفي “أكرم الأحمد” مدير المركز الصحفي السوري عمل على حلّ المشكلة عن طريق الطلب من مراسيلهم بالداخل فتح حسابات بريد تركية (PTT) ليسهل عليهم قبض أجورهم بدون أي اقتطاع  أو أجور تحويل، والمراسل الذي لا يستطيع فتح حساب يفوّض زميله الذي يمتلك حساب ليقبض له أجر عمله دون أن يدفع أي مبلغ، في حين يتحمل المركز جميع نفقات التحويل بين البنوك وباقي الترتيبات في الداخل السوري ليضمن وصول أجور المراسلين بشكل كامل دون اقتطاع. “هذا يمثل الطريقة المثلى الأكثر أماناً على المراسل وهذا يتوافق مع قانون الترخيص للمؤسسات الموجودة داخل تركيا” يقول الأحمد.

المركز السوري للإعلام وحرية التعبير يصف تعقيدات التحويل بالمشكلة الحقيقية التي تسهم في ظهور حلول ارتجالية قد يكون لها تبعات سيئة، كأن يضطر الصحفي إلى تفويض شخص آخر _ وهنا معيار الثقة بالشخص المفوض يلعب الدور الأبرز _ إذ لا يوجد ما يضمن حق الصحفي ولا يوجد آلية محاسبة،  أو  إجراء تحويلات عبر مكاتب غير مرخصة وما إلى ذلك من حلول آنية. ولضمان الحقوق المادية كاملة فالحل في تضمين المبلغ المتفق عليه أجور التحويل.

وحول سؤال لماذا لا يوجد في سوريا عموماً وفي شمالها الغربي خصوصاً بنوك يمكن للمنظمات الدولية المعاملة معها؟

 أجاب المركز  أن هناك قاعدة اقتصادية كثيراً ما يقتدي بها رجال الأعمال وهي أن رأس المال جبان، فالبنوك والاستثمارات المالية هي أنشطة اقتصادية وفق اعتقادي أهم مقومات إنشائها هي بيئة عمل مشجعة آمنة ومستقرة قوانين ومحفزات اقتصادية وضمانات والكثير من العوامل الأخرى، وهو غير ممكن في ظل الوضع الميداني والعسكري والسياسي القائم، نتحدث هنا عن مناطق الشمال السوري بصورة خاصة، إذ لا يمكن للبنك أن يعمل فقط كوسيط مالي يحتاج إلى أرباح واستثمارات.

وبالنسبة لتحمل الجهات والمؤسسات الإعلامية أجور تحويل المستحقات للمراسلين يؤكد المركز على أنه عادة العاملون في الإعلام في بؤر نزاع حساسة يتقاضون أجوراً أعلى ويتلقون تدريبات خاصة، حقوقهم المادية والمعنوية محفوظة، لكن للأسف وفق اطلاعنا هذا ليس بالضرورة متوفراً لأغلب الصحفيين السوريين 

بيد أنه ربما  يكون للمؤسسة الإعلامية أسبابها التي ترتبط بعدم استدامة مواردها وضعف إمكانياتها، لكن يبقى الحل الأمثل بالطبع إن تمكنّت المؤسسة من أن تتحمّل أجور التحويل.

وفي سبيل الأمن والسلامة للصحفيين يدعو المركز إلى أنه عند لجوء الصحفي إلى وسطاء ماليين بلا شك سيكون هناك اختراق لخصوصيته المالية، قد يتعرض للمساءلة أو الابتزاز، أو غير ذلك من الممارسات، وللأسف الخيارات محدودة جدا لتجاوز هذه العقبات والتعقيدات لكن ما ننصح به الصحفيين دائماً هو اختيار الوسطاء الماليين الثقة. 

(ن. ا) صحفي سوري يقول: ” إن عمله الصحفي دائماً ما يصطدم بمطبات من أبرزها موضوع التحويلات المالية وما يعتريها من اقتطاع من الأجور المستحقة له حيث يعمل (ن. ا) بصفة فريلانس مع جهة إعلامية عربية تطلب في رأس كل شهر حساب بنك أو ويستر وينون، (ن. أ) يقيم في محافظة إدلب فإنه يلجأ لمحل صرافة وحوالات كي يستلم عن طريقه الأجور ودائما صاحب المكتب يضع نسبة 8% أجور تحويل يقتطعها لنفسه بحجة تكاليف التحويل، ويضيف أن إنتاجه بالشهر لا يتعدى 250$ وبعد اقتطاع أجور التحويل تبقى 230 لتذهب 20$ كان من الممكن أن يشتري فيها حليب لطفله أو أي شيء من مستلزمات المعيشة  المرتفعة في سوريا.

يقول (ن. ا) “أعمل أكثر من 10 تقارير مصورة لإحدى الجهات بواقع أجر 250$ شهرياً وكل دولار من المرتب يكون له ميزان في حياة أسرتي إذ أحتاج لشراء الغذاء والمحروقات ومتطلبات العمل وحليب الأطفال وعند استلام المستحقات يتم حسم 20$ منها تنزل كالصاعقة علي حيث تنقلب موازين المتطلبات و اضطر لحذف بعضها وبالرغم من كل محاولاتي للجهة التي أعمل معها لتتحمل أجور التحويل يكون الرد بأنهم غير مخولين بتحمل أجور الحوالات وأن عملهم نظامي ولا يستطيعون خرق القانون الخاص بالعمل”. 

أخفيت أسماء بعض الصحفيين والإعلاميين في هذا التقرير حرصاً على خصوصيتهم.
كتب هذا التقرير بقلم عضو شبكة الإعلاميين السوريين، الصحفي مصعب الياسين

(مساحة حرّة: تبويب تخصصه شبكة الإعلاميين السوريين لأعضائها ولجميع الإعلاميين والصحفيين السوريين لنشر تقارير ومقالات حول العمل الإعلامي والصحفي في سوريا، وجميع ما يتم إيراده ضمن هذه المواد يعبر عن رأي كاتبها، وليس بالضرورة أنّ يعبر عن رأي الشبكة).